عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 17

خريدة القصر وجريدة العصر

في سنة 534 ه وهو في السنة الخامسة عشرة من عمره « 1 » : وردها مع أبيه صفيّ الدين بعد خروجه من معتقله ونبوّ أصبهان به طالبا الأمن والسلامة والكرامة في ظلّ الخليفة العباسي ببغداد ، فاتّخذها دار مقامه . واتّفق أن كان البيت الذي نزله جارا لبيت ابن الدهّان النحوي « 2 » المتوفّى سنة 569 ه ، وكان يقال حينئذ : « النحويّون أربعة : ابن الجواليقيّ ، وابن الشجريّ ، وابن الخشاب ، وابن الدهّان « 3 » » ، وانعقدت صلة الودّ بين أبيه وبين ابن أفلح الشاعر ، فكان ابن أفلح يختلف اليه ويبثه شجوه ، لبث على ذلك زهاء ثلاث سنين ثم توفي ، فكان هذان العلمان : ابن الدهان وابن أفلح من أوائل الأعلام الذين رآهم عماد الدين ببغداد في صباه ، وقد ذكر في الخريدة « 4 » أنه طالع ما جمع من شعر ابن أفلح ، وهو قليل ؛ لأن الخليفة أخذ من بيته أشعاره كلها . ولم يذكر عن علاقته بابن الدّهان شيئا ، إنما ذكر أنه تتلمذ لابن الخشاب أحد هؤلاء النحاة الأربعة ببغداد ، وأنه انتظم في سلك طلاب ( المدرسة النظامية ) فثقف النحو واللغة والأدب ، وسمع الحديث ، ووعى الفقه والخلاف والأصول ، ودرس العلم الرياضي . وذكر في الخريدة أنه اشتغل بحل أقليدس « 5 » . وكان شديد النشاط ، عظيم التوفر على التحصيل ، لا يني ولا يقف عند حدود ما يتلقاه من شيوخه في النظامية وغيرهم ، بل كان يتعدى ذلك إلى حلقات المناظرات ومجالس الوعظ الممتازة ، فيتتبعها ويترصد أوقاتها ، ليشهدها ، ويفيد منها العلم والرأي ومناهج الجدل بين العلماء الذي بلغ الغاية من القوة والبراعة في عصره ، ويقتبس أساليب الإلقاء والأداء والتأثير في السامعين ، ويعلّق ما يسمعه من الفوائد والغرائب في هذه الحلقات والمجالس .

--> ( 1 ) نص المترجم على هذا في كتابه خريدة القصر ( القسم العراقي ج 1 الورقة 92 ) ، ومنه يتبين خطأ ما ذهب اليه صلاح الدين الصفدي في الوافي بالوفيات ، والدكتور شوقي ضيف في مقدمته للقسم المصري من كتاب الخريدة من أنه وردها ابن عشرين سنة أو نحوها . ( 2 ) الخريدة ( 2 الورقة 225 ) . ( 3 ) تراجمهم في بغية الوعاة للسيوطي وغيرها . ( 4 ) الخريدة ( 1 / الورقة 92 ) . ( 5 ) الخريدة : القسم العراقي المطبوع ( 1 / 161 ) .